جعفر آل ياسين
17
الفارابي في حدوده ورسومه
بناء دلالة المعنى التعريفي للأشياء ؛ سواء ما كان منها مفردا أو مركّبا - ورغم ذلك ، فإنّهم كانوا يتسمّحون فيه ، فيخلّون ببعض رتبه ودرجاته . والذي يهمنا بيانه ، في هذا السياق ، هو أنّ فلاسفتنا - رغم غلبة طبيعة المضمون على الشكل لديهم كما بسطنا - فإنّ بعضهم أجاز لنفسه الخروج بصياغات لحدوده ورسومه تبلغ صورة الشرح الشامل ؛ بحيث تكون أعمّ شمولا من المقصود بالتعريف أو الحدّ ، وأكثر بعضهم من الاستطراد والتوسّع في القول والإيضاح معا . وقد خرج آخرون على صيغة التحديد إلى تفريعات لا تدخل أساسا في مضمون اللفظ المعرّف ؛ بل هي أقرب إلى كونها رغبة ومحبة في الإطالة ؛ أو لعلها - إذا أحسنا الظنّ - هي سمة هدفها الحرص على تقديم ما يحيط بجوانب المصطلح : حدّا وتعريفا ورسما ! . ولم يكتف أولئك بما قدّموه في هذا المجال ، بل أضافوا إليه وسائل تقي الباحث من الوقوع في متاهات التحديد أو التعريف ؛ حيث ينبغي له أن يعصم نفسه فلا تزل به القدم فينزلق إلى استعمال ألفاظ المجاز والاستعارة أو الكلمات الغريبة والآبدة في عملية التعريف ، بل يجب عليه أن يخترع الكلمة أو اللفظة التي يريد عندما يجد الحاجة إليها أمرا ضروريا . ويتجنب تعريف الشيء بمثله ؛ فتلك متاهة لا خير فيها ولا قيمة لها . وكذلك عليه الّا يعرّف الشيء بما هو أخفى من الشيء ذاته وأقلّ منه وضوحا ، ويبتعد عن تعريف الشيء بما لا يعرف إلّا بالشيء ؛ سواء بالإصحار أو الايماء . وأخيرا يجب أن لا يكرّر الشيء نفسه في الحدّ ، في الوقت الذي لا يجد مبرّرا لهذا التكرار ! . ترى أليس في وسائلهم الوقائية هذه ، ما يشبه قواعد باسكال الست التي اشترطها في التعريف الصحيح ؟ . ولعله استعارها من فكرنا العربي ، دون الإشارة إلى منبعها الأصيل ! تلك هي ( وقفة ) من مآثر حضارتنا الإنسانية ومعالمها المتألّقة ، لا يمكن التنكر لها أو غضّ الطرف عنها .